مجد الدين ابن الأثير

391

المختار من مناقب الأخيار

العواصم والثّغور قال أبو سليمان المغربيّ : كنت أحمل الحطب من الجبل ، وأتقوّت منه ، وكان طريقي فيه التوقّي والتحرّي . قال : فرأيت جماعة من البصريّين في النوم منهم الحسن ، ومالك بن دينار ، وفرقد السّبخي ، فسألتهم عن علم حالي ، فقلت : أنتم أئمّة المسلمين ، دلّوني على الحلال الذي ليس للّه عزّ وجلّ فيه تبعة ، ولا لخلق « 1 » فيه منّة . فأخذوا بيدي ، فأخرجوني من طرسوس إلى مرج فيه خبّازى ، فقالوا : هذا الحلال الذي ليس للّه عزّ وجلّ فيه تبعة ، ولا لمخلوق فيه منّة . قال : فمكثت آكل منه نصف سنة ، ثلاثة أشهر في دار السّبيل ، وكنت آكله نيئا ومطبوخا . فصار لي حديث ، فقلت : هذه فتنة ، فخرجت من دار السّبيل ، وكنت آكله ثلاثة أشهر أخر ، فأوجدني اللّه عزّ وجلّ قلبا طيّبا ، حتى قلت : إن كان أهل الجنّة بهذا القلب الذي لي فهم - واللّه - في شيء طيّب . وما كنت آنس بكلام الناس ، فخرجت يوما من باب قلمية « 2 » إلى صهريج يعرف بالمدنف . فجلست عنده ، فإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامس « 3 » ، يريد طرسوس ، وقد بقي معي قطيعات من ثمن الحطب الذي كنت أجيء به من الجبل ، فقلت : أنا قد قنعت بهذا الخبّازى ، أعطي هذه القطع هذا الفقير إذا دخل طرسوس اشترى بها شيئا يأكله . فلمّا دنا منّي أدخلت يدي إلى جيبي حتى أخرج الخرقة ، فإذا أنا

--> ( 1 ) في ( أ ) : « مخلوق » . ( 2 ) باب قلمية : أحد أبواب طرسوس ، منسوب لقلمية وهي كورة واسعة برأسها من بلاد الرّوم ، قرب طرسوس . معجم البلدان 4 / 392 . ( 3 ) في الأصل وصفة الصفوة 4 / 286 : « لامش » وهو تحريف ؛ لأنّ لامش من قرى فرغانة في الشرق ، و « لامس » قرية على بعد مرحلة من قلمية ، على شطّ بحر الرّوم من ناحية ثغر طرسوس .